محمود محمود الغراب
31
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
ينقطع ، وهو أعلى مقام يتجلى الحق فيه لعباده العارفين ، وأوله تجلي الذوق ، ومن لم يذقه شربا ما عرفه . ( ف ح 2 / 111 ) لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها ( ف ح 4 / 281 ) وأما التجلي الذي يقع به الري فهو لأصحاب الضيق ، فغاية شربهم ريّ ، وأما أهل السعة فلا ريّ لشربهم ، فإنه من قال : رويت من الحب ما عرفه ، فالحب شرب بلا ري ، قال بعض المحجوبين : شربت شربة فلم أظمأ بعدها أبدا ، فقال أبو يزيد : « الرجل من يحسو البحار ، ولسانه خارج على صدره من العطش » . ( ف ح 2 / 111 ) وكأس شراب الحب هو القلب من المحب ، لا عقله ولا حسه ، فإن القلب يتقلب من حال إلى حال ، كما أن اللّه الذي هو المحبوب كل يوم هو في شأن ، فيتنوع المحب في تعلق حبه بتنوع المحبوب في أفعاله ، كالكأس الزجاجي الأبيض الصافي يتنوع بحسب تنوع المائع الحال فيه ، فلون المحب لون محبوبه ، وليس هذا إلا للقلب ، فإن العقل من عالم التقييد ، ولهذا سمي عقلا من العقال ، والحس فمعلوم بالضرورة أنه من عالم التقييد بخلاف القلب ، وذلك أن الحب له أحكام كثيرة مختلفة متضادة ، فلا يقبلها إلا من في قوته الانقلاب معه فيها ، وذلك لا يكون إلا للقلب . ( ف ح 2 / 113 ) وإذا أضفت مثل هذا إلى الحق فهو قوله : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ « وإن اللّه لا يمل حتى تملوا » « ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » والشرع كله أو أكثره في هذا الباب ، وشرابه عين الحاصل في الكأس ، وقد بينا أن الكأس هو عين المظهر ، والشراب عين الظاهر فيه ، والشرب ما يحصل من المتجلي للمتجلى له ، كل ذلك من تجليه سبحانه في اسمه الجميل ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه جميل يحب الجمال » وهو حديث ثابت ، فوصف نفسه بأنه يحب الجمال ، وهو يحب العالم ، فلا شيء أجمل من العالم ، وهو جميل ، والجمال محبوب لذاته ، فالعالم كله محب للّه ، وجمال صنعه سار في خلقه ، فحب العالم بعضه بعضا هو من حب اللّه نفسه ، فإن الحب صفة الموجود ، وما في الوجود إلا اللّه . ( ف ح 2 / 113 ، 114 )